عثمان بن جني ( ابن جني )
459
الخصائص
باب في اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين في الحروف والحركات والسكون غرضنا من هذا الباب ليس ما جاء به الناس في كتبهم ؛ نحو وجدت في الحزن ، ووجدت الضالّة ، ووجدت في الغضب ، ووجدت أي علمت ؛ كقولك : وجدت اللّه غالبا ، ولا كما جاء عنهم من نحو ( الصدى ) : الطائر يخرج من رأس المقتول إذا لم يدرك بثأره ، و ( الصدى ) : العطش ، و ( الصدى ) : ما يعارض الصوت في الأوعية الخالية ، و ( الصدى ) من قولهم : فلان صدى مال ؛ أي حسن الرعية له ، والقيام عليه . ولا ( هل ) بمعنى الاستفهام ، وبمعنى قد ، و ( أم ) للاستفهام وبمعنى بل ، ونحو ذلك ؛ فإن هذا الضرب من الكلام - وإن كان أحد الأقسام الثلاثة عندنا التي أوّلها اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين ، ( ويليه ) اختلاف اللفظين واتّفاق المعنيين - كثير في كتب العلماء ، وقد تناهبته أقوالهم ، وأحاطت بحقيقته أغراضهم . وإنما غرضنا هنا ما وراءه من القول على هذا النحو في الحروف ، والحركات ، والسكون ، المصوغة في أنفس الكلم من ذلك الحروف . قد يتّفق ( لفظ الحروف ويختلف معناها ) وذلك نحو قولهم : درع دلاص ، وأدرع دلاص ، وناقة هجان ، ونوق هجان " 1 " . فالألف في دلاص في الواحد بمنزلة الألف في ناقة كناز ، وامرأة ضناك ، و ( الألف في دلاص ) في الجمع بمنزلة ألف ظراف ، وشراف . وذلك لأن العرب كسّرت فعالا على فعال ، كما كسرت فعيلا على فعال ؛ نحو كريم ، وكرام ، ولئيم ولئام . وعذرها في ذلك أن فعيلا أخت فعال ، ألا ترى أن كلّ واحد منهما ثلاثىّ الأصل ، وثالثه حرف لين ، وقد اعتقبا أيضا على المعنى الواحد ، نحو كليب وكلاب ، وعبيد وعباد ، وطسيس وطساس ؛ قال الشاعر : * قرع يد اللعّابة الطسيسا " 2 " *
--> ( 1 ) هجان : أي بيضاء كريمة . ( 2 ) الرجز لرؤبة في ديوانه ص 71 ، ولسان العرب ( طسس ) ، وجمهرة اللغة ص 133 .